بر الوالدين
*من بيان حق الوالدين قال تعالى: (أن اشكر لي ولوالديك).*
فقرن شكره بشكرهما.
*ذكر ما أمرت به السنة من بر الوالدين*
عن معاذ بن جبل، قال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (لا تعق والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك) .
قال أحمد: حدثني يحيى، عن ابن أبي ذئب، عن خاله الحارث، عن ضمرة، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: (كانت تحتي امرأة كان عمر يكرهها، فقال: طلقها، فأبيت. فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي: (أطع أباك) .
وعن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تعص والديك وإن أمراك أن تخرج من دنياك فاخرج منها) .
وعن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بروا آباءكم تبركم أبناؤكم) .
وقال زيد بن علي بن الحسين لابنه يحيى: (أن الله تبارك وتعالى لم يرضك لي فأوصاك بي، ورضيني لك فلم يوصيني بك) .
*تقديم بر الوالدين على الجهاد والهجرة*
عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: جاء رجل يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد، فقال: (أحي والداك؟) قال: نعم. قال: (ففيهما فجاهد) .
عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: جاء رجل إلى النبي يبايعه، فقال: جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان، قال: (فارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما) .
وعن أبي سعيد الخدري، قال: هاجر رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل باليمن أبواك) . قال: نعم. قال: (أأذنا لك) ؟ قال: لا. قال: (ارجع إلى أبويك فأستأذنهما فإن أذنا لك وإلا فبرهما) .
وعن ابن عباس، قال: جاءت امرأة ومعها ابن لها، وهو يريد الجهاد، وهي تمنعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أقم عندهما، فإن لك من الأجر مثل الذي تريد) .
وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد، فقال: (هل من والديك أحد حي؟ قال: أمي قال: انطلق فبرهما) . فانطلق يحل الركاب. فقال: (أن رضى الرب عز وجل في رضى الوالدين) .
هكذا نقل الحديث.
*أحب الأعمال إلى الله بر الوالدين*
عن أبي عمرو الشيباني، قال: حدثنا صاحب هذه الدار وأشار إلى دار عبد الله بن مسعود - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي العمل أحب إلى الله عز وجل؟ قال: الصلاة لوقتها) . قلت: ثم أي؟ قال: (بر الوالدين) . قلت: ثم أي؟ قال: (الجهاد في سبيل الله).
*البر يزيد في العمر*
عن سهل بن معاذ، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من بر والديه طوبى له وزاد الله في عمره) .
وعن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يا بن آدم، بر والديك، وصل رحمك، ييسر لك أمرك، ويمد لك في عمرك، وأطع ربك تسمى عاقلا، ولا تعصمه تسمى جاهلا) .
وعن سلمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يزيد في العمر إلا البر) .
وعن ثوبان نحوه.
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن يمد الله في عمره، ويزيد في رزقه فليبر والديه وليصل رحمه) .
*كيفة بر الوالدين*
برهما يكو بطاعتهما فيما يأمران به ما لم يكن بمحظور، وتقديم أمرهما على فعل النافلة، والاجتناب لما نهيا عنه، والإنفاق عليهما، والتوخي لشهواتهما، والمبالغة في خدمتهما، واستعمال الأدب والهيبة لهما، فلا يرفع الولد صوته، ولا يحدق إليهما، ولا يدعوهما باسمهما، ويمشي وراءهما، ويصبر على ما يكره مما يصدر منهما.
سمعت طلق بن علي، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أدركت والدي أو أحدهما وقد افتتحت الصلاة، فقرأت فاتحة الكتاب؛ فقال: يا محمد، لقلت: لبيك) .
وعن أبي غسان الضبي أنه خرج يمشي بظهر الحرة وأبوه يمشي خلفه، فلحقه أبو هريرة، فقال: من هذا الذي يمشي خلفك؟ قلت: أبي قال:
(أخطأت الحق ولم توافق السنة، لا تمش بين يدي أبيك، ولكن أمشي خلفه أو عن يمينه، ولا تدع أحدا يقطع بينك وبينه، ولا تأخذ عرقا (أي: لحما مختلطا بعظم) نظر إليه أبوك، فلعله قد اشتهاه، ولا تحد النظر إلى أبيك، ولا تقعد حتى يقعد، ولا تنم حتى ينام) .
وعن أبي هريرة، أنه أبصر رجلين، فقال لأحدهما: هذا منك؟ قال: أبي قال: (لا تسمه باسمه، ولا تمشي أمامه، ولا تجلس قبله) .
وعن طيلة، قال: قلت لابن عمر: عندي أمي، قال: (والله لو ألفت لها الكلام، وأطعمتها الطعام، لتدخلن الجنة ما اجتنبت الكبائر) .
وعن هشام بن عروة، عن أبيه، في قوله تعالى: (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) . قال: لا تمتنع من شيء أحباه.
وعن الحسن أنه سئل عن بر الوالدين فقال: (أن تبذل لهما ما ملكت، وتطيعهما ما لم يكن معصية) .
وعن عمر رضي الله عنه، قال: (إبكاء الوالدين من العقوق) .
وعن سلام بن مسكين، قال: سألت الحسن، قلت: الرجل يأمر والديه بالمعروف وينهاهما عن المنكر؟ قال: (إن قبلا، وإن كرها فدعهما) .
وعن العوام، قال: قلت لمجاهد: ينادي المنادي بالصلاة، ويناديني رسول أبي. قال: (أحب أباك) وعن ابن المنكدر، قال: (إذا دعاك أبوك وأنت تصلي فأجب) .
وعن عبد الصمد، قال: سمعت وهب يقول: (في الإنجيل: رأس البر للوالدين أن توفر عليهما أموالهما. وأن تطعمهما من مالك) .
وعن عبد الله بن عون، قال: (النظر إلى الوالدين عبادة) .
*المرجع بر الوالدين لابن القيم الجوزية رحمه الله*
تعليقات
إرسال تعليق